سيد قطب
2172
في ظلال القرآن
وغفلوا عن معجزة الحياة الأولى . . وغفلوا عن طبيعة القدرة الإلهية ، وأنها لا تقاس إلى تصورات البشر وطاقتهم . وأن إيجاد شيء لا يكلف تلك القدرة شيئا ؛ فيكفي أن تتوجه الإرادة إلى كون الشيء ليكون . وغفلوا كذلك عن حكمة اللّه في البعث . وهذه الدنيا لا يبلغ أمر فيها تمامه . فالناس يختلفون حول الحق والباطل ، والهدى والضلال ، والخير والشر . وقد لا يفصل بينهم فيما يختلفون فيه في هذه الأرض لأن إرادة اللّه شاءت أن يمتد ببعضهم الأجل ، وألا يحل بهم عذابه الفاصل في هذه الديار . حتى يتم الجزاء في الآخرة ويبلغ كل أمر تمامه هناك . والسياق يرد على تلك المقولة الكافرة ، ويكشف ما يحيط بها في نفوس القوم من شبهات فيبدأ بالتقرير : « بَلى . وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا » ومتى وعد اللّه فقد كان ما وعد به لا يتخلف بحال من الأحوال « وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » حقيقة وعد اللّه . وللأمر حكمته : « لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ » فيما ادعوا أنهم على الهدى ؛ وفيما زعموا من كذب الرسل ، ومن نفي الآخرة ؛ وفيما كانوا فيه من اعتقاد ومن فساد . والأمر بعد ذلك هين : « إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ : كُنْ . فَيَكُونُ » . . والبعث شيء من هذه الأشياء يتم حالما تتوجه إليه الإرادة دون إبطاء . وهنا يعرض في الجانب المقابل للمنكرين الجاحدين ، لمحة عن المؤمنين المصدقين ، الذين يحملهم يقينهم في اللّه والآخرة على هجر الديار والأموال ، في اللّه ، وفي سبيل اللّه : « وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ، وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ . الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ » . . فهؤلاء الذين هاجروا من ديارهم وأموالهم ، وتعروا عما يملكون وعما يحبون ، وضحوا بدارهم وقرب عشيرتهم والحبيب من ذكرياتهم . . هؤلاء يرجون في الآخرة عوضا عن كل ما خلفوا وكل ما تركوا . وقد عانوا الظلم وفارقوه . فإذا كانوا قد خسروا الديار ف « لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً » ولنسكننهم خيرا مما فقدوا « وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ » لو كان الناس يعلمون . هؤلاء « الَّذِينَ صَبَرُوا » واحتملوا ما احتملوا « وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ » لا يشركون به أحدا في الاعتماد والتوجه والتكلان . ثم يعود السياق إلى بيان وظيفة الرسل التي أشار عليها عند الرد على مقولة المشركين عن إرادة اللّه الشرك لهم ولآبائهم . يعود إليها لبيان وظيفة الرسول الأخير - صلوات اللّه وسلامه عليه - وما معه من الذكر الأخير . وذلك تمهيدا لإنذار المكذبين به ما يتهددهم من هذا التكذيب : « وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ، فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ . بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ ، وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ، وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ » . . وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا . . لم نرسل ملائكة ، ولم نرسل خلقا آخر . رجالا مختارين « نُوحِي إِلَيْهِمْ » كما أوحينا إليك ، ونكل إليهم التبليغ كما وكلنا إليك . « فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ » أهل الكتاب الذين جاءتهم